كان عمل المحامي اليوم يتقاسمه
بالمغرب خلال فترة ما قبل الحماية كل من المفتي العالم بالأحكام الشرعية والوكيل
العارف بمبادئ الخصام أمام محكمة القضاء الشرعي في إطار خطة الدفاع الجاري بها
العمل آنذاك في النظام القضائي الإسلامي منذ القرن الهجري الثاني.
وكان يرخص للمحامين الأجانب بالترافع أمام المحاكم القنصلية خاصة بمدينة طنجة قبيل
قيام الحماية تطبيقا لنظام الامتيازات الأجنبية.
ثم عملت سلطات الحماية على تقسيم المغرب إلى منطقة إسبانية أو خليفية في الشمال
وفي الصحراء تأسست بها محاكم إسبانية سنة 1914 بينما تنظمت بها مهنة المحاماة
بمدينة تطوان سنة 1935. ومنطقة مختلطة ثم دولية بطنجة تأسست بها محاكم مختلطة سنة
1923 بينما تنظمت بها هيئة للمحامين سنة 1925. ومنطقة ثالثة في الجنوب تأسست بها
ثلاث درجات من المحاكم على غرار التنظيم القضائي الفرنسي سميت "المحاكم
الفرنسية بالمغرب" هي محاكم الصلح، محكمة الاستئناف واحدة بالرباط ومحاكم
ابتدائية ببعض المدن المغربية من بينها الدارالبيضاء التي نشأت بها أول هيئة
للمحامين بالمغرب برجوعنا لسجلات التاريخ في خضم مجموعة من التحولات والتطورات
والظروف العامة التي كانت تمر منها البلاد.
ولقد زودت سلطات الحماية الفرنسية هذه المنطقة بمجموعة من القوانين مؤرخة في 12
غشت 1913 من بينها قانون المرافعات المدنية الذي أفرد أربعة عشر فصلا من فصوله (من
34 إلى 44 و 47 و 52 و 146) لتنظيم مهنة المحاماة لكن بجانب كتاب الضبط والخبراء و
في غياب ضمانة الاستقلالية بإخضاعها لرقابة السلطة القضائية ممثلة في محكمة
الاستئناف التي كانت تتمتع باختصاصات واسعة امتدت إلا حد التدخل في شؤون المهنة،
نظرا لغياب مجلس للمحامين. كما كان حق الترافع أمام المحاكم العصرية حكرا على
المحامين الفرنسيين والأجانب وبعض المغاربة المتوفرة فيهم الشروط المطلوبة. مما
سهل على المستعمر معاقبة الوطنيين بعد محاكمتهم بقوانين فرنسية أمام قضاة فرنسين
وبمؤازرة محامين أغلبهم فرنسيون. ومع ذلك ظفر المحامون بفضل نضالهم المستمر ببعض
الإصلاحات الجزئية لمهنتهم من خلال ظهير 18/3/1914 وظهير 18/11/1916 وظهير
27/4/1920 من أهمها السماح للهيئات التي تضم سبعة محامين فأكثر باختيار نقيبها لكن
بشرط أن يكون من جنسية فرنسية (الفصل 39) في محاولة لطمس الهوية المغربية.
وبذلك كان (جون ماشفيتز) أول نقيب فرنسي لهيئة المحامين بالدارالبيضاء الذي قاد
حملة للتشهير بمشروع قانون منظم لمهنة المحاماة كانت قد حضرته السلطات الفرنسية
إثر المعارك التي خاضها رجالات هذه الهيئة من أجل انتزاع مزيد من الحرية
والاستقلالية في بداية سنة 1923 لكونه كان يمس بكرامة هيئات المحامين ويهدد
استقلالها. مما نتج عنه تعديله بظهير 10 يناير 1924 الذي يعتبر أول نص تشريعي كرس
مبدأ استقلال المحاماة وكرامة المحامي، غير أنه كرس أيضا اشتراط أن يكون النقيب من
جنسية فرنسية وبذلك تعاقب على هيئة الدارالبيضاء النقباء، بارطلوم سنة 1934، جورج
كاسطون سنة 1937، رولان أوجين سنة 1940، جون موريت سنة 1943، كي لافوينتي سنة
1945، بوني سنة 1950، إيمانويل بول أنطوان سنة 1952، بونان سنة 1953، أندري كورديي
سنة 1955، كودانزا رافوتي سنة 1958 إضافة إلى فوجيليز، ريني أنطوان، إيرنيست مالي
وجورج سغرام، كما تعاقب على هيئات أخرى نقباء فرنسيون أمثال مارسيل صباص، الدكتور
شارل برونو، فالي، السيدة بونس فريسيني.. بهيئة الرباط وكي شارل، كافيون، روي ...
بهيئة مراكش... بعد ذلك تم تعديله وتقييم ظهير 1924 بظهير 5/5/1932 وظهير
30/07/1932 و ظهيـر 31/07/1942 وظهير 18/2/1950 إلى أن صدر بعد الاستقلال
قانون مغربة هيئات المحامين وتوحيد نظامها بتاريخ 18/5/1959 كان من أبرز نتائجه
انتخاب السيد عبدالقادر بن جلون أول نقيب مغربي والسيد أحمد زروق أول عضو مغربي
بمجلس هيئة المحامين بالدارالبيضاء وبصدور قانون التوحيد والتعريب والمغربة تم
إلغاء المحاكم الفرنسية التي أصبحت تحمل اسم المحاكم العادية وتم تعريب القضاء
والمحاماة ومغربتها بالتدريج رافق ذلك انسحاب أو مغادرة عدد كبير من المحامين
الأجانب للبلاد واقتصار من بقي منهم على العمل داخل مكاتبهم مستعينين بمحامين
مغاربة أمثال (بيير ميلانت) و(جاك ميليا)، واختيار البعض الآخر فتح مكاتب للاستشارة
القانونية مثل (جون بول رازون) ... ونظرا لتسارع وتطور المهنة وضرورة مواكبته صدر
المرسوم الملكي المؤرخ في 19 دجنبر 1968 الذي مكن من الاعتراف صراحة بالشخصية
المدنية لهيئات المحامين. غير أن الانتقادات التي وجهت لهذا المرسوم كانت سببا
لإعداد مشروع لتعديله اعتبره عضو المجلس آنـذاك ذ/ محمد التبر أن فيه
مساسا خطيرا باستقلال المهنة وهو الموقف الذي كان قد تبناه الجمع العام لهيئة
المحامين بالدار البيضاء المنعقد بتاريخ 30 يونيه 1978 مما نتج عنه صدور قانون 5
يونيو 1979 الذي أثيرت حوله ملاحظات جديدة أدت إلى صدور ظهـيـر 10
شتنبر 1993 الذي لم يخلو بدوره من عيوب عجلت بظهور مشروع قانون جديد لتعديله.
وبفضل كل هذه التعديلات أصبحت هيئة المحامين بالدار البيضاء تخضع لكل من القانون
المنظم للمهمة والنظام الداخلي للهيئة إضافة إلى الأعراف والتقاليد المهنية تحقيقا
لمزيد من الاستقلالية وواكب كل ذلك ارتفاع عدد المحامين وتزايد ملحوظ في مشاركة
هيئة المحامين بالدار البيضاء في عدة أنشطة مهنية هامة محلية، وطنية، إقليمية
ودولية.